الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

128

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والنصارى من الأمم ، وشاع بين الأمم المجاورة من الكنعانيين والآراميين ، ولعله بلغ إلى الهند . وقد قيل : إن اسم ( برهما ) معبود البراهة من الهنود محرف عن ( اسم إبراهيم ) وهو احتمال . وعطف وَالَّذِينَ مَعَهُ ليتم التمثيل لحال المسلمين مع رسولهم صلى اللّه عليه وسلّم بحال إبراهيم عليه السلام والذين معه ، أي أن يكون المسلمون تابعين لرضى رسولهم صلى اللّه عليه وسلّم كما كان الذين مع إبراهيم عليه السلام . والمراد ب الَّذِينَ مَعَهُ الذين آمنوا به واتبعوا هداه وهم زوجه سارة وابن أخيه لوط ولم يكن لإبراهيم أبناء ، فضمير إِذْ قالُوا عائد إلى إبراهيم والذين معه فهم ثلاثة . و إِذْ ظرف زمان بمعنى حين ، أي الأسوة فيه وفيهم في ذلك الزمن . والمراد بالزمن : الأحوال الكائنة فيه ، وهو ما تبينه الجملة المضاف إليها الظرف وهي جملة قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ إلخ . والإسوة بكسر الهمزة وضمها : القدوة التي يقتدى بها في فعل ما . فوصفت في الآية ب حَسَنَةٌ وصفا للمدح لأن كونها حسنة قد علم من سياق ما قبله وما بعده . وقرأ الجمهور إسوة بكسر الهمزة ، وقرأه عاصم بضمها . وتقدمت في قوله تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في سورة الأحزاب [ 21 ] . وحرف فِي مستعار لقوة الملابسة إذ جعل تلبس إبراهيم والذين معه بكونهم أسوة حسنة ، بمنزلة تلبس الظرف بالمظروف في شدة التمكن من الوصف . ولذلك كان المعنى : قد كان لكم إبراهيم والذين معه أسوة في حين قولهم لقومهم . فليس قوله : أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ من قبيل التجريد مثل قول أبي خالد العتابي . وفي الرّحمن للضعفاء كاف « 1 » لأن الأسوة هنا هي قول إبراهيم والذين معه لا أنفسهم .

--> ( 1 ) من شواهد « الكشاف » وصدر البيت : ولولا هنّ قد سوّمت مهري . وقبله : لقد زاد الحياة إليّ حبّا * بناتي إنهن من الضعاف